محتويات
1- خلق ادم عليه السلام
2- نزول ادم وحواء من الجنه
3- وفاة ادم عليه السلام
لما شاء الله -تعالى خَلْق آدم عليه السلام ليستخلفه في الأرض أخبر الملائكة بذلك، فاستنكروا الأمر واستعظموه؛ فالخلافة في الأرض منزلة رفيعة تتطلب أن يكون المستخلف أهلاً لذلك، وقد جاء ذلك في كتاب الله -تعالى- حيث قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
ولعل سبب هذا التخوّف من الملائكة هو ما رأوا من الفساد الذي فعله الجن في الأرض أو غير ذلك من الأسباب،إلا أن الملائكة لم يكن لهم بعد أمر الله -تعالى- إلا العبودية والتسليم، وقد أخبرهم الله -تعالى- بأنّه اصطفى آدم وذريته ليكونوا خلفاء في الأرض.فالله تعالى سيجعل من ذريته الصالحين، والأنبياء، والصديقين،وقيل في بعض كتب أهل العلم إنّه لما خلق الله -تعالى- آدم -عليه السلام- ونفخ فيه من روحه، فما إن مرت الروح في رأسه وقبل أن تصل رجليه حتى حاول النهوض، فوقع فور قيامه، ولهذا قيل إنّ الإنسان خُلق من عجل.
نزول آدم وحواء من الجنة لما خلق الله -تعالى آدم -عليه السلام- ونفخه فيه من روحه وخلق حواء، بقي آدم في الجنة مدة من الزمن، حتى جاءه إبليس ووسوس له ولزوجته بالاقتراب إلى الشجرة التي نهاهم الله -تعالى-، وجاء ذكر هذه القصة في القرآن الكريم في العديد من السور. قال الله -تعالى-: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.فأغوى إبليس آدم وحواء واقتربا من الشجرة التي نهاهم الله -تعالى- عنها،ولما خالف آدم -عليه السلام- أمر ربه، وفعل الفعل الذي نهاه الله عنه، اختلف حالهم وانكشفت أجسادهم بعدما سقط عنها ما كان يغطيها. وأمر الله -تعالى- آدم وحواء بالنزول من الجنة، إلا أنّ آدم قد تضرع إلى ربه وناجاه بأن يغفر له ذنبه، فغفر الله له ذنبه وتاب عليه، وأمرهم بالهبوط إلى الأرض، وقيل إنّ آدم -عليه السلام- قد نزل في الهند، وحواء في مدينة جدة في السعودية، والتقيا بعد ذلك في الأرض.
قال الله عز وجل وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)
عرض الله الامر علي الملائكة وهو اعلم سبحانه وتعالى اني جاعل فى الارض خليفه فكان الجواب من الملائكة اتجعل فيها من يفسد فى الارض ويفعل الفساد فى الارض ويسفك الدماء ونحن يا ربنا نسبح بحمدك ونقدس لك قال الله العليم اني اعلم ما لا تعلمون
خلق الله عز وجل ادم وعلمه الله الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئونى باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالت الملائكة سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم فامر الله ادم ان ينبئ الملائكة بالاسماء الذى تعلمها من ربه فقال الله اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.
الحديث عن ابليس رفض الشيطان الرجيم أن يسجد لآدم، عندما أمره الله بذلك، رغم أن آدم تعلم من الله ما لم يكن يعرفه أحد، رفض الشيطان ذلك استكبارًا، نظر إلى أصل النشأة، وقال مبررًا رفضه لله سبحانه وتعالى «خلقتنى من نار وخلقته من طين» مقدمًا نفسه على آدم حتى فى ترتيب الضمائر.. لكن هل الشيطان حقا من جماعة الملائكة؟
هل كانت الجنة التي سكنها آدم -عليه السلام- هي جنة الخلد الموجود أم جنة في الأرض خلقها الله له؟
فأجاب: الجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد, ومن قال أنها جنة في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة والكتاب والسنة يرد هذا القول وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول قال تعالى:{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} إلى قوله: {قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} فقد أخبر أنه -سبحانه- أمرهم بالهبوط وأن بعضهم عدو لبعض ثم قال: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} وهذا يبين أنهم لم يكونوا في الأرض وإنما أهبطوا إلى الأرض فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا إلى أرض أخرى كانتقال قوم موسى من أرض إلى أرض لكان مستقرهم ومتاعهم إلى حين في الأرض قبل الهبوط وبعده وكذلك قال في الأعراف لما قال إبليس: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} فقوله: اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها يبين اختصاص السماء بالجنة بهذا الحكم, فإن الضمير في قوله منها عائد إلى معلوم غير مذكور في اللفظ, وهذا بخلاف قوله: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} فإنه لم يذكر هناك ما أهبطوا فيه وقال هنا اهبطوا لأن الهبوط يكون من علو إلى أسفل وعند أرض السراة حيث كان بنوا إسرائيل حيال السراة المشرفة على المصر الذي يهبطون إليه, ومن هبط من جبل إلى واد قيل له هبط وأيضا فإن بني إسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون والذي يسير ويرحل إذا جاء بلدة يقال نزل فيهاº لأن في عادته أنه يركب في سيره, فإذا وصل نزل عن دوابه يقال نزل العسكر بأرض كذا ونزل القفل بأرض كذا لنزولهم عن الدواب, ولفظ النزول كلفظ الهبوط فلا يستعمل هبط إلا إذا كان من علو إلى أسفل, وقوله ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال اهبطوا الآيتين, فقوله هنا قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين يبين أنهم هبطوا إلى الأرض من غيرها, وقال: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} دليل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك فيه بمكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون وإنما صاروا إليه لما أهبطوا من الجنة, والنصوص في ذلك كثيرة, وكذلك كلام السلف والأئمة, وفى الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- إن النبي قال: احتج آدم وموسى فقال: موسى يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته, فلماذا أخرجتنا وذريتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه فهل تجد في التوراة وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: فلماذا تلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق, فقال فحج آدم موسى(1) وموسى إنما لام آدم لما حصل له وذريته بالخروج من الجنة من المشقة والنكد, فلو كان ذلك بستانا في الأرض لكان غيره من بساتين الأرض يعوض عنه وآدم عليه السلام احتج بالقدر لأن العبد مأمور على أن يصبر على ما قدره الله من المصائب ويتوب إليه ويستغفره من الذنوب
استغفر ادم ربه فتاب عليه وقال سبحانه وتعالى {قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}
اخرج الله من ظهر ادم عليه السلام ذريته قال الله عز وجل { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين }
حدثني أحمد بن محمد الطوسي , قال : ثنا الحسين بن محمد , قال : ثنا جرير بن حازم , عن كلثوم بن جبر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان " يعني عرفة " فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها , فنثرهم بين يديه كالذر , ثم كلمهم فتلا فقال : ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا الآية - إلى { ما فعل المبطلون }
حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , قال : ثنا كلثوم بن جبر , قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : سألت عنها ابن عباس , فقال : مسح ربك ظهر آدم , فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا , وأشار بيده , فأخذ مواثيقهم , وأشهدهم على أنفسهم { ألست بربكم قالوا بلى }
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم وهما ( قابيل وهابيل )، كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عزَّ وجلَّ ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة أخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف. وقوله: {بالحق} أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان؛ كقوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق}، وقوله تعالى: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} كان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن اللّه تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى اللّه عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل {إنما يتقبل الله من المتقين} ""رواه ابن جرير""وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرَّب أشر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه وإن اللّه عزَّ وجلَّ تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قابيل وكره تكرماً عن هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرب قرباناً ويقرب أخوك هابيل قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة؛ فأرسل اللّه ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله.""رواه ابن جرير""، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو مناسب، واللّه أعلم. ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن مجاهد أيضاً. ومعنى قوله: {إنما يتقبل اللّه من المتقين} أي ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال: يحبس الناس في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة. وقوله تعالى: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف اللّه رب العالمين} يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل اللّه قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة {إني أخاف اللّه رب العالمين} أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وقال الإمام أحمد عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال، عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالك (إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي) قال: أفرأيت إن دخل على بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال: (كن كابن آدم)، قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الامة {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} لعثمان بن عفان رضي الله عنه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ورذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس ومجاهد: أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن مجاهد {إني أريد أن تبوء بإثمي وأثمك} يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعاً. قلت : وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له (ما ترك القاتل على المقتول من ذنب) وقد روى الحافط أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا ولكن ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه)، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن اللّه يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجراً لو انزجر، ولهذا قال: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي تتحمل إثمي وإثمك {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} وقال ابن عباس: خوَّفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر. وقوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} أي فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله أي بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر. وقد تقدم أنه قتله بحديدة في يده؛ وقال السدي: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام، وهو يرعى غنماً له، وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. وقال عبد اللّه بن وهب: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله، قال: نعم قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً، فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت؟ قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلمه فرجع إليها مرتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {فأصبح من الخاسرين} أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه. عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل)، وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود. وقوله تعالى: {فبعث اللّه غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} قال السدي: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث اللّه غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: {يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي}؟ وقال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه {يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوراي سوأة أخي}، وقال الضحاك عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث اللّه الغرابين فرآهما يبحثان فقال: {أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} فدفن أخاه وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له اللّه عزَّ وجلَّ: يا قابيل اين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال اللّه: إن صوت دم أخيك ليناديني من الارض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الارض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعاً تائهاً في الارض. وقوله تعالى: {فأصبح من النادمين} قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران. فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)، وهذا ظاهر جلي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن اللّه ضرب لكم ابني آدم مثلاً فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن البصري مرفوعاً""والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير: أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله وجعل اللّه وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلاً به. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.
قصة إدريس عليه السلام

إرسال تعليق